الجاذبية الثقافية


لا نعني بالثقافة ( المعرفة )
، وإنما نعني هنا ذلك الجوَّ المكوَّن من مجموعة العقائد والأفكار والمفاهيم والنظم والأخلاق والقِيَم والعادات والطُرُز السائدة في مجتمع محدد
[size=48]

أو بعبارة أخرى :
[/size]أسلوب الحياة السائد في بيئة معينة والأسس الفكرية والنفسية والاجتماعية التي يقوم عليها ذلك الأسلوب


أما الجاذبية الثقافية
:[size=48] فنعني بها قدرة الثقافة على توفير درجة جيدة من إرضاء أبنائها بالأوضاع والأحوال السائدة ، بالإضافة إلى لفت انتباه أبناء الثقافات الأخرى ودفعهم في اتجاه تقليد سلوكيات أبناء الثقافة الجاذبة .

[/size][size=48]

[/size]أثبتت الجاذبية الثقافية على مدار التاريخ الإسلامي أنها الوسيلة الأفضل لنشر الإسلام ومبادئه وقِيَمه ؛ فقد دخل في هذا الدين أعداد هائلة من البشر من غير أن يروا عسكرياً واحداً من جيوش المسلمين ، وقد تم انتقالهم إلى الإسلام ببطء ؛ حيث تمثّل الناس مبادئه بأناة ومن غير ردود أفعال تُذكَر من الثقافات الوطنية التي كانت سائدة آنذاك ، ولم يكن الأمر بتلك السلاسة وذلك النقاء في البلدان التي فُتحت عن طريق القتال .



دعونا نتساءل الآن

.. ما السّمات الأساسية التي ينبغي أن تتوفر في أيّ ثقافة حتى تصبح جذابة ؟
في مقاربة أولية نقول
[size=48]ربما كان أهم تلك السمات الآتي :[/size]



1 - التضحية
وهي تعني وجود شريحة واسعة في المجتمع ، تملك القدرة على التخلّي عن بعض ما تملك ، وتبذل شيئاً من جهدها ووقتها في سبيل تحقيق أمور خيِّرة لا تعود عليها بنفع مباشر . ويدل على هذه الشريحة ما تتمتع به الأمة أو المجتمع من مؤسسات ( لا ربحية ) ، تسدّ حاجات الناس ، وتستدرك على القصور الموجود في نظام العدالة الاجتماعية السائد . ولا شك أن الدول المتقدمة تُعد غنية جداً بهذه المؤسسات اليوم ؛ وهذا ما نلمحه في المجتمعات المسلمة أيام ازدهار الحضارة الإسلامية .



2 - العدل
..حيث يغلب على ظنّ الناس أنهم قادرون على الوصول إلى حقوقهم كاملة دون رشوة أو واسطة ، وبناء على قواعد واحدة تطبق على الجميع . وهذا يكون في أحسن حالاته حين يتوفر نظام قضائي حرّ ومستقل ، ويتولى إصدارَ الأحكام أشخاص نزيهون ، أو أشخاص يدفعون ثمناً غالياً في حالة إصدار أحكام جائرة ليس لها أي مخرج قانوني .






3 - التعاون
والذي يعني وجود أرضية عقدية وأخلاقية تجعل تواصل الناس بعضهم مع بعض واسع الانتشار ، فالمؤسسات الخيرية الكثيرة والمتنوعة تعني على نحو بَدَهي وجود أعداد كبيرة من الناس القادرين على التفاهم والتعاضد في سبيل إنجاز أشياء مشتركة لخير الجميع .



4 - الأمانة
وهي تعني نمو جوانب خلقية واجتماعية جيدة إلى حدود ومستويات عالية . الأمانة التي أعنيها هنا هي التي عنتها ابنة شعيب حين قالت لأبيها عن موسى - عليه السلام - : ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ ) ( القصص : 26 ) .
الأمانة تعني الصدق والمصداقية والثقة وحفظ الأسرار والمحافظة على الحرمات ؛ وهذه الأخلاق ذات قيمة جوهرية في المنهجية الإسلامية وفي التربية الأخلاقية لدى المسلمين .




5 - الجدّية
[size=48]المقصود بالجدّية ، توفّر نُظم وتقاليد وأعراف وأوضاع ، ترفع عتبة النشاط أو ترفع سوية الاهتمام بالعمل والإنتاجية إلى مستويات عالية تحاكي ما هو متوفر لدى الأمم الصناعية الكبرى . الأمم الجادة تهتم بالتفاصيل ، وتفكر في التخلص من دقائق المشكلات ، وتحتاط في معظم شؤونها . [/size]



6 - العملية
[size=48]الثقافة التي توصف بأنها ثقافة عملية يقل الكلام لدى أبنائها على مقدار تكاثر الأساليب الفنية التي تنمّي من خلالها الجوانب المختلفة في حياتها العامة ، كما أنها تعالج بواسطتها المشكلات المعاصرة على نحو حا[/size][size=48]س[/size]م وفعّال .



هذه السّمات هي موضع إجماع بين كل الأمم . وجميع الشرائع تحثّ على التحلّي بها ، ولهذا ؛ فإن الثقافة التي تتوفر فيها هذه الصفات على نحو ظاهر وقوي ؛ تجذب إليها أبناء الأمم الأخرى الذين لا يجدون في ثقافاتهم مثيلات لها . وهذا الجذب الثقافي يزداد اليوم بسبب ما توفره وسائل البثّ والاتصال الحديثة من تواصل وتقارب عالمي على نحو لم يسبق له مثيل .



[size=48]الحديث عن الجاذبية الثقافية يدعونا إلى الحديث عن ( الافتتان الثقافي ) والذي يعني انبهار أبناء أمة من الأمم بما لدى أبناء أمة أخرى من قِيَم وأخلاق وأوضاع ثقافية . وإنها لفتنة شديدة أن تجد المبادئ التي يجب أن تتمسك بها ضامرة في مجتمعك ، مزدهرة لدى عدوّك أو منافسك!

[/size]

..كل ما قلناه عن الجاذبية والفتنة الثقافية ، ينطبق على الأفراد كما ينطبق على الأمم والشعوب،[size=48] وإن من واجبنا إذا ما أردنا تحصين الأجيال القادمة من التبعية الثقافية للآخرين أن نبذل كل ما في وسعنا من أجل إنعاش القِيَم التي أشرنا إليها وترسيخها في الحياة الإسلامية ، وإلا فإن هويتنا ستكون مهددة ، حتى إننا إذا لم نخف ذلك؛فإن التديُّن الحق يدعو إلى بذل ذلك الجهد تعبُّداً لله تعالى وتقرُّباً .

[/size]